حيدر حب الله

324

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

إن مقولة العاملي تخطّت ما ذهب إليه المستشرقون ، فقد حاولوا ادعاء وجود تعارض في الكتاب ، لكنهم ما قالوا : إن جميع نصوص القرآن ذات الدلالات الظهوريّة متعارضة . نعم ، يمكن الدفاع عن العاملي بأن كلامه في استنباط الأحكام من القرآن ، ومن ثم فحديثه خاصّ بآيات الأحكام التي اشتهر أنّها خمسمائة آية وإن بلغ بها بعض المتأخّرين ما يزيد على الألف ، وأنقصها البعض عن الخمسمائة « 1 » ، لكن تفكيك العاملي بين النص التشريعي وغيره لا يبدو واضحا ، سيما إذا قلنا بما ذهب إليه البهبهاني وغيره من أنّ الأخباريّين قائلون بعدم حجية ظواهر الكتاب حتى في مثل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، على أنّ أدلّة الأخباري في غالبها لا تختص - كما لاحظنا ونلاحظ - بآيات الأحكام ، وإن حاول الأصولي أحيانا كالآخوند الخراساني ( 1329 ه ) جعل المشكلة في هذا النوع من الآيات فحسب على نظرية خاصّة به في مفهوم الحجية « 2 » . بل لو تأكّد أن الأخباري يحصر نظريته بآيات التشريع ، فلا نكاد نفهم معرفيا ولغويا كيف تمّ الفصل بين نوعي الآيات ؟ وهل كانت التراكيب القرآنية مزدوجة تختلف فيما بينها ؟ رغم أن التسلسل الزمني لا يساعد على فصل آيات التشريع كما التسلسل الترتيبي للقرآن الموجود بين أيدينا اليوم ؟ فإذا فصل العاملي بين هذين النوعين ففصله

--> ( 1 ) - أما أنها أقلّ من خمسمائة ، فراجع في ذلك الشيخ مسعود السلطاني في « أقصى البيان في آيات الأحكام » ج 1 : 17 ، تبعا للمقداد السيوري في كنز العرفان : 29 ، وقد نسبا القول بالخمسمائة إلى المشهور ، كما فعل ذلك بحر العلوم في الفوائد الأصولية : 77 ، وإن استحسن ترك التحديد لاحتمال الزيادة والنقيصة باختلاف فهم العلماء ، وأما مقولة تجاوز الألف ، فانظر الشيخ محمد مهدي شمس الدين في « الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي » : 82 ؛ ومحمد الصادقي الطهراني ، رسالة توضيح المسائل نوين : 13 . ( 2 ) - يعتقد الشيخ محمد كاظم الخراساني ، أحد أكابر علماء الأصول الشيعة ، أن معنى جعل المولى سبحانه خبرا ما حجة مثلا فيما لو كان في واقعه مجرّد ظن ، أنه يجعله منجزا ومعذّرا ، أي لو أخبرنا بتكليف لدخل في ذمتنا ، ولو أعلمنا برخصة لغدونا معذورين لو صادف أن الواقع لم يكن رخصة ، ولمّا ربط الخراساني حجية الظنون بهذا الأمر اضطرّ إلى حصر قيمتها بالمجال العملي ، لأنه هو المجال الذي فيه فعل أو ترك ، تنجيز وتعذير ، ولذلك خرجت الظنون عنده عن عالم التاريخ والعقيدة والتكوينيات ، راجع نظريّته في كتابه الشهير ، كفاية الأصول : 319 و 395 ، وقد ردّ عليه بعض العلماء بأن إخراج غير آيات الأحكام إنما ينسجم مع نظريته هذه ، وحيث يذهب الأكثر إلى نظريات أخرى ، مثل نظرية الطريقية ، لم يكن كلام الخراساني سليما عندهم ، انظر على سبيل المثال ، الميرزا جواد التبريزي ، دروس في مسائل علم الأصول 3 : 132 ؛ لكن المحقق العراقي مع ذلك تبنّى جواب الخراساني بإخراج آيات الأحكام عن المشكلة في كتابه نهاية الأفكار 3 : 91 ؛ وسيأتي مزيد بحث حول هذه النظريات في الفصل الخامس من هذا الكتاب بعون اللّه تعالى .